هشام جعيط

211

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الكوفة ، إلا اندراجا قليلا في خط يثرب الجاهلية ، التي كانت عبارة عن سلسلة من الواحات المبعثرة . بل يندرج أساسا في عمل الرسول ذاته ، المؤسس لدلالات حاسمة ولأعمق رمزية للمدينة المسلمة التي جعل منها هيكلا إسلاميا مؤسّساتيا لا مدينة فحسب ، بل مدينة بالمعنى السياسي . ( Politeia ) وإتماما لهذا التصور ، يحسن بنا الإشارة إلى أن أسواق « المدينة » التي نقلها الرسول ونظمها ، كانت هي النموذج لأسواق الكوفة ، وليس الأسواق المحيطة بمكة التي كانت بمثابة معارض . ويصعب في هذا المقام تقييم العمل التجديدي الذي قام به الرسول : فلعل نقل سوق بني قينقاع « 1 » قد جرى في اتجاه المركزية ، لكن الأرجح هو وجود عزيمة تنظيمية ستبقى فيما بعد ، وقد ظهرت في مأسسة سوق يثرب القديم « 2 » . والملاحظ أيضا وجود تعددية الأسواق « 3 » بيثرب وهي ظاهرة ستبقى في أية مدينة إسلامية ، ووجود تقليد واضح لعله تأتىّ من الحضور اليهودي بخصوص ظاهرة السوق المدنية كمؤسسة دائمة تغذي الحياة الإنسانية اليومية . صحيح أنه وجدت سوق داخل مكة ، لكن الأمر الأهم هو قيام السوق - المعرض خارج مكة والتي لها دور كبير في اقتصاد القوافل العابرة لبلاد العرب . والذي لا يقبل الشك أن الرسول فرّق بوضوح بين التجارة « 4 » والصلاة أي بين السوق والمعبد قاطعا بذلك مع تقليد الشرق كله . فضلا عن أن الإسلام مدّن السوق العربية بأن أقامها في قلب المدينة ذاتها ، مع العلم أن السوق المحيطة بالمدينة الجاهلية قد بقيت ، كما سنرى ، بالكناسة في الكوفة وبالمربد في البصرة . وهكذا نرى كيف أن الحضارة العربية التي شكلت المدينة فيها المحور المشع ، تدين للإرث العربي الخاص الذي توفرت فيه التقاليد المدنية والتراكيب المتينة المقاومة ، مثلما تدين للعمل الخلاق الذي قام به الرسول . هذا العمل النبوي الذي استمد بدوره كثيرا من ثقافته الحيوية ، ثقافة قريش أولا ، وكذلك ثقافة كل الجهات في بلاد العرب . إن القرآن نفسه يشكل الذاكرة الرائعة للأمة العربية . إذ استرد الماضي كله ، ماضي سبأ وماضي الحجر لكنه تجاوزه برؤية كونية وإلهية لتاريخ البشرية . وهكذا ندرك ظهور إرادة عنيدة في الوجود وجهدا يتجه إلى الحضارة وتيارا توحيديا ،

--> ( 1 ) وفاء ، ج 2 ، ص 747 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ج 2 ، ص 747 ؛ فتوح البلدان ، ص 28 . ( 3 ) وفاء ، ج 2 ، ص 747 . كانت هناك بطحاء أيضا ، وهي عبارة عن سوق للدواب على شاكلة الكناسة : المرجع نفسه ، ج 2 ، ص 754 . ( 4 ) W . Heffening , art . « tidjara » , E . I . / 1 . ، ولعل هذا التمييز يرجع إلى الفرس .